صديق الحسيني القنوجي البخاري

347

فتح البيان في مقاصد القرآن

قال الزجاج : هو متعلق بما تضمنه اسم اللّه ، قال ابن عطية : هذا عندي أفضل الأقوال وأكثرها إحرازا لفصاحة اللفظ وجزالة المعنى ، وإيضاحه أنه أراد أن يدل على خلقه وآيات قدرته وإحاطته واستيلائه ونحو هذه الصفات ، فجمع هذه كلها في قوله وهو اللّه الذي له هذه كلها في السماوات وفي الأرض . كأنه قال وهو الخالق والرازق والمحيي والمميت فيهما . وقيل المعنى : وهو اللّه يعلم سركم وجهركم في السماوات وفي الأرض فلا تخفى عليه خافية ، وقال النحاس : وهذا من أحسن ما قيل فيه ، قال الشيخ وما ذكره الزجاج وأوضحه ابن عطية صحيح من حيث المعنى لكن صناعة النحو لا تساعده عليه ، وقال ابن جرير : هو اللّه في السماوات ، ويعلم سركم وجهركم في الأرض . والأولى أولى . وتكون جملة يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ مقررة لمعنى الجملة الأولى لأن كونه سبحانه إلها في السماء والأرض يستلزم علمه بأسرار عباده وجهرهم وعلمه بما يكسبونه من الخير والشر ، وجلب النفع ودفع الضرر ، وقال السمين : في هذه الآية أقوال كثيرة لخصت جميعها في اثني عشر وجها ثم بينها ، وذكر سليمان الجمل منها أربعة أوجه منها ما تقدم وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ من خير أو شر ، وهذا محمول على المكتسب لا على نفس الكسب ، قاله الرازي . وَما تَأْتِيهِمْ أي أهل مكة مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ كلام مبتدأ لبيان بعض أسباب كفرهم وتمردهم وهو الإعراض عن آيات اللّه التي تأتيهم بالكلية ، ومن في مِنْ آيَةٍ مزيدة للاستغراق ، وفي مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ تبعيضية أي ما تأتيهم آية من الآيات التي هي بعض آيات ربهم ، وإضافة الآيات إلى الرب لتفخيم شأنها المستتبع لتهويل ما اجترؤوا عليه في حقها . والمراد بها إما الآيات التنزيلية فإتيانها نزولها ، وإما الآيات التكوينية الشاملة للمعجزات وغيرها من تعاجيب المصنوعات فإتيانها ظهورها لهم إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ أي كانوا لها تاركين وبها مكذبين ، والإعراض ترك النظر في الآيات التي يجب أن يستدلوا بها على توحيد اللّه . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 5 إلى 6 ] فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 5 ) أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ ( 6 ) فَقَدْ كَذَّبُوا ضمنه معنى استهزؤوا فعداه بالباء والظاهر كما قال السفاقسي : أن